بن عيسى باطاهر
85
المقابلة في القرآن الكريم
إن البشر جميعا يدركون بدوافع الفطرة معنى الخير والشرّ ، ومع هذا كلّه فإن بعض الفلاسفة والمفكرين من ينكر وجودهما ، ولا يعترف بأنّ في الحياة خيرا أو شرا ، وبعضهم يرى بأن الخير والشر نقيضان لا يلتقيان أبدا ولذلك لا بدّ أن يكون لكلّ منهما إله خالص به كما هو الحال عند المثنوية ، وإذا استعرضنا بعضا من هذه الآراء نجد أن من أقدم الفلسفات فلسفة الفرس التي تعرف « بالمثنوية » وهي نظرات لحكماء الفرس ترى بأنّ العالم محكوم بإلهين ، ويتحكمان في مصيره ، وهما إله الخير وإله الشرّ ، وقد رمزوا لإله الخير بالنور « يزدان » ولإله الشرّ بالظلام « أهرمن » « 1 » . وقد تطورت هذه الفلسفة العجيبة بمجيء « زرادشت » حيث « أنّه أنكر الوثنية وجعل الخير المحض من صفات اللّه ، ونزل بإله الشرّ إلى ما دون منزلة المساواة بينه وبين الإله الأعلى ، وبشّر بالثواب وأنذر بالعقاب ، وقال بأن خلق الروح سابق لخلق الجسد ، وحاول جهده أن يقصر الربانية على إله واحد موصوف بأرفع ما يفهمه أبناء زمانه من صفات التنزيه » « 2 » . فالخير عند « زرادشت » غالب دائم ، والشر مغلوب منظور إلى أجل مسمى « 3 » وخلاصة رأيه أنّ النور هو الأصل ، وأن وجوده وجود حقيقي ، أما الظلمة فتبع له ، كالظلّ بالنسبة للشخص ، ولما كان الباري يرى أنّه موجود وليس بموجود فقد أبدع النور ، وحصل الظلام تبعا لأن من ضرورة الوجود التضاد « 4 » . وتتفق فلسفة « زرادشت » مع أحدث النظريات الفلسفية والأخلاقية التي تقول : إن الخير والشر لا يوجدان خالصين ، والخير ممتزج بالشر ، والشر معه
--> ( 1 ) نفسه - ج 3 - ص 879 . ( 2 ) عباس محمود العقاد - اللّه - ص 93 - ط 3 - دار المعارف : مصر . ( 3 ) نفسه - ص 95 . ( 4 ) عبد الكريم الخطيب - التفسير القرآني للقرآن - ج 3 - ص 880 .